أبي الفرج الأصفهاني
116
الأغاني
فلا يبعدنك اللَّه خلَّا فإنني سألقى كما لا قيت في كلّ مصرع ثم انطلقت حتى وقفت موقفي من عرفات . فبينا أنا كذلك إذ أنا بإنسان قد تغيّر لونه وساءت هيئته ، فأدنى ناقته من ناقتي حتى خالف بين أعناقهما ، ثم عانقني وبكى حتى اشتدّ بكاؤه . فقلت : ما وراءك ؟ فقال : برح العذل ، وطول المطل ، ثم أنشأ يقول : لئن كانت عديّة ذات لبّ لقد علمت بأنّ الحبّ داء ألم تنظر إلى تغيير جسمي وإنّي لا يفارقني البكاء ولو أنّي تكلَّفت الذي بي لقفّ [ 1 ] الكلم وانكشف الغطاء فإنّ معاشري ورجال قومي حتوفهم الصّبابة واللَّقاء إذا العذريّ مات خليّ ذرع فذاك العبد يبكيه الرّشاء / فقلت : يا أبا المسهر إنها ساعة تضرب إليها أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها ، فلو دعوت اللَّه كنت قمنا أن تظفر بحاجتك وأن تنصر على عدوّك . قال : فتركني وأقبل على الدعاء . فلمّا نزلت الشمس للغروب وهمّ الناس أن يفيضوا سمعته يتكلَّم بشيء ، فأصغيت إليه ، فإذا هو يقول : يا ربّ كلّ غدوة وروحه من محرم يشكو الضّحى ولوحه أنت حسيب الخلق يوم الدّوحة الجعد بن مهجع يذكر لعمر سبب عشقه ومسعى عمر في زواجه من عشقها : فقلت له : وما يوم الدوحة ؟ قال : واللَّه لأخبرنّك ولو لم تسألني : فيمّمنا نحو مزدلفة ، فأقبل عليّ وقال : إني رجل ذو مال كثير من نعم وشاء ، وذو المال لا يصدره ولا يرويه الثّماد [ 2 ] . وقطر [ 3 ] الغيث أرض كلب ، فانتجعت أخوالي منهم ، فأوسعوا لي عن صدر المجلس وسقوني جمّة [ 4 ] الماء ، وكنت فيهم في خير أخوال . ثم إنّي عزمت على موافقة إبلي بماء لهم يقال له الحوذان ، فركبت فرسي وسمطت [ 5 ] خلفي شرابا كان أهداه إليّ بعضهم ثم مضيت ، حتى إذا كنت بين الحيّ ومرعى النّعم رفعت [ 6 ] لي دوحة عظيمة ، فنزلت عن فرسي وشددته بغصن من أغصانها وجلست في ظلَّها . فبينا أنا كذلك إذ سطع غبار من ناحية الحيّ ورفعت لي شخوص / ثلاثة ، ثم تبيّنت فإذا فارس يطرد مسحلا [ 7 ] وأتانا ، فتأمّلته فإذا عليه درع أصفر وعمامة خزّ سوداء ، وإذا فروع شعره تضرب خصريه ، فقلت : غلام حديث عهد بعرس أعجلته لذّة الصيد فترك ثوبه ولبس ثوب امرأته . فما جاز عليّ إلا يسيرا حتى طعن المسحل وثنّى طعنة للأتان فصرعهما ، وأقبل راجعا نحوي وهو يقول :
--> [ 1 ] قف : يبس ، يريد التأم . يقول : لو أني حاولت الذي بي وتكلفته لسهل على أن أبرأ منه ، ولكنه قدر من اللَّه لا محيص منه . [ 2 ] الثماد : جمع ثمد ( بالتحريك وبالفتح ) وهو الماء القليل الذي لا مادّ له . [ 3 ] كذا في « ج » . وفي « سائر الأصول » : « ونضر الغيث » وهو تحريف . [ 4 ] جمة الماء ( بالضم ) : معظمه . [ 5 ] سمط هنا : علق . [ 6 ] رفع لي الشيء : أبصرته من بعيد . [ 7 ] المسحل : الحمار الوحشي . والأتان : الحمارة الوحشية .